عندما ينتابني هذا الإحساس التقليدي وهو الملل أسرع فورا لتناول قرص صلب ليزيل عني هذا الشعور القاتل, فأمد يدي في مكتبة اسطواناتي المدمجة وأجذب واحدة من هذه الأقراص والتي تعود لزمن الفن الجميل وموسيقى لطالما طربت لها .... وأنتظر قليلا حتى يتذوقها مشغل الاسطوانات الخاص به فيلتقطها ثم يسمح لي بمشاركته في ذلك..
ولكن حاسة التذوق ليست واحدة لدى الجميع, فلسان حالي له مذاقه المختلف عن الآخرين.. فأنا أتذوق هذه المقطوعات الغنائية ولكني لا أستطعمها كما هي!!
فقط أكتفي بهذا اللحن وهذا الصوت الرائعين لما يشعراني براحة نفسية ويبددان الشعور المرير الذي انتابني, فهذه الأقراص بمثابة مسكنات.. لقد حاولت مرارا استيعاب كلمات الحب والغرام التي تشدو بها أغنياتي التي طالما طربت لسماعها وفرحت للحنها الجميل ولكني فشلت !
شيء لا افهمه هو من جلب لي المرض والتعب والإرهاق انه الحب.. بل أفتقده ذاته فكيف لي أن أفهم شفراته التي أوجعتني وحطمتني !!
لماذا ابتعدت عن أصدقائي, أقاربي, أحبائي؟!
ولماذا هذه القلعة التي اختبأت بها بعد مأساة حبي وتحطم ذلك الحب ؟! أعلم أنه الانطواء بمرارته بل هو إن صح التعبير الموت البطيء بغفوته.. ولكن الآن سأهدم هذه القلعة سأدك حصونها سأدمر مفعولها.
لا معنى للحياة في نظري فلا جديد بها, اليوم كالأمس وهو صورة من الغد, لقد أصُبت بحالة مزمنة من السأم فلن تكفيني أقراصي هذه المرة. ولن يكفيني ألمي وتعبي المزمن من تجرع سموم الحب .
استيقظت من النوم في موعدي الدائم ولكن شعور غريب يتملكني إحساس جميل لا أفهمه ذلك الوجه الذي كان ملائكياً بعيوني لن أنساه.. أنه حقا حلم ولكنه أجمل حلم رأيته في ايامي الحالكة التي اعيشها ومازال عالقا بذاكرتي في يقظتي, لكن سأترك هذه الأوهام واحلام اليقظة الآن حتى لا أتأخر عن موعد عملي .
ذهبت لعملي وأنا شبه مغيبة عن الواقع بصلابته.. لا أعلم سر الراحة النفسية التي أعيشها في هذه اللحظات!!
مرت ساعات العمل لأول مرة وأنا لا أشعر بها ولكن يشعر بي زملائي في العمل.. لم أنتهي من تلميحاتهم وغمزاتهم وإصرارهم لمعرفة سر حالتي.. أنا نفسي لا أفهم ماذا أصابني بعد رؤيتي لهذا الحلم طعم جميل اشعر بحلاوته !!
عشت أسوأ فترات حياتي فيا لمرارة الإحباط, وها هي المصائب لا تأتي فرادى كما يقولون فأذهب لعملي لأفاجأ بحادث لعين..يصيبني وتتأذى سيارتي ومشاكلي المالية ومشاكل عائلتي وغدر الحب وصدمتي الكبيرة بمن وثقت شعرت بأن الأرض ضاقت علي بما رحبت لقد فقدت كل شيء في غمضة عين لكني أخذت قراري وحسمت أموري في ذات اللحظة فلمن أبقى هنا وعلى ماذا أبكي.. لا جدوى إذن من بقائي.. سوف أرحل سأغادر البلاد تاركة فيها حطام ذكرياتي .
تناولت الهاتف وتحدثت مع مديري بالعمل ووافقت على عرض العمل الذي طالما رفضته بالسفر الى السودان فألتقطت أطراف حديثه.. أحسست بأنه رحب بالفكرة عندما اعترفت له برغبتي في السفر والإقامة بالسودان للعمل بالمشروع الجديد ، وزاد من إصراري على السفر, طلب مني جواز سفري ولا أشغل بالاً بالأمور الأخرى من فيزا وإقامة وخلافه لان عملي يؤمن كل هذه الامور .. عجبت من سهولة الإجراءات و استخراج الأوراق اللازمة, لم تعترض الظروف طريقي ولم يفلح الروتين في عرقلتي كما اعتدت!!
هكذا حزمت حقائبي ولملمت بقايا ذكرياتي.. جمعت بعض الأشياء والتي كانت ترمز لفترات عشتها في حياتي.. اتجهت للشرفة وأطللت برأسي وشردت للحظات رأيت فيها سنوات مرت بحلوها ومرها الكثير.. ابتسمت في ثقل وغادرت الشرفة وأحكمت غلق كل ما يجب غلقه هنا ونظرت لأجواء المكان في شماتة واضحة, سأترك كل شيء وراء ظهري ليعاني مرارة الوحدة.. بعد قليل سيدرك كم عانيت كل شيء أذاني هنا وحدي.
الآن أنا جاهزة للرحيل وقراري الأول هو المغادرة دون أن أخبر أحد فيكفيني ما أصابني من ألم وتعاسة سببها من حولي ولكن انا أكره لحظات الوداع لما بها من آلام الفراق, فهي كمسيرة تشييع الجثمان ما أن ينزل قبره حتى ينصرفوا جميعا ويتركوه وحيدا.. لا أريد أن أتذكر شيء في رحلتي, فقط سأخطط لما هو قادم ولن أنظر للماضي بعد الآن.
استقللت سيارة أجرة لتقلني إلى مطار الملكة علياء وقد ساعدني السائق في تحميل حقائبي بسيارته وانطلق بي أطلقت لخيالي العنان أفكر في موطن سأهجره وفي حياتي الجديدة ولكن الواقع يتدخل ليعلن عن نفسه فيمرر على ناظري بعض المواقع وأنا في طريقي للمطار وقد كانت شاهدة على بعضا من ذكرياتي..الجميلة التي مررت بها مع شخص لون ايامي بالسواد هنا يغير خيالي اتجاهه ويرمح للخلف.. للماضي.. ولكن الآن وصلت للمحطة الأخيرة ها هو المطار أو كما أسموه القفص العملاق لطائر الرخ.
انتظرت في صالة الاستقبال أتأمل من حولي وهم منهمكون مع ذويهم ممن جاءوا لوداعهم فوجدتهم يتسامرون ويضحكون ثم يتذكرون اللحظات القادمة فيحضنون, تلفت حولي لأرى رفقاء الرحلة ولكني أيقنت أن ليس جميعهم من موطني وتبين لي ذلك من ملبسهم وملامحهم, ليس هذا يهمني كل ما يهمني أن أرحل من هنا.
وجاءت اللحظة المنتظرة وتم السماح لنا بالدخول لمراجعة جوازات السفر والفيز وبالطبع كنت أول الطابور وتركت الباقون منغمسون في الأحضان والقبلات, مرت اللحظات في أمان وكل شيء كان على ما يرام فقط جلسنا مرة أخرى في انتظار الطائرة ولكن دون أقارب أو أحباب وهذا كان سببا في أن يتطفل على نوعية خاصة من البشر لا أطيقها.. أين تذهبي في السودان ولمن ولماذا و.... أخيرا سمحوا لنا بالصعود على متن الطائرة.
صعدت سلم الطائرة في عجل واضح لكني بحثت عن مقعدي في هدوء حتى وجدته فجلست به ولحسن حظي كان يقع بجانب نافذة الطائرة وهذه كانت هوايتي منذ الصغر وهي الجلوس بجانب نوافذ الطائرات ومتابعة العالم الخارجي من خلالها.. كل شيء يمر في نظام وأمان مما يثير قلقي!وخوفي ها هي الطائرة تستعد للإقلاع ونستعد معها ولم ألتفت حتى لمعرفة الشخص الجالس بجانبي فكنت مندمجة كل الاندماج مع المشهد الخارجي وقد بدأ في التحول لعالم مصغر.. مرت دقائق معدودات وكنت أتابع السماء في لحظة الغروب فتحسست النافذة بأناملي وكأني أحاول احتواء السحب بقبضتي, فقط يشوش أفكاري حركة المضيفات وحضورهن المتكرر لإبداء اهتمامهم بي , لو تركوا لي باب التسمية لخصصت لهن لقب –ملائكة الرحمة- عاودت النظر من النافذة تارة ومتابعة الحركة هنا تارة أخرى, إنه حقا لمشهد رائع فقد خيل لي أن بإمكاني ملامسة القمر ......
هل هذا حلم جديد أم واقع!! لم أصدق نفسي.. أعجز عن وصف سعادتي أين أنت أيها البحر الآن.. رفعت رأسي أشكر الله على ما أنا فيه..
ما أجمل هذه السحابات والقمر .. ما أروعها وهي الوحيدة بعنان السماء تشهد على تحقيق ربما ومضة امل بحياتي لتفتح صفحات جديدة ولتوقظني من وهن الحب ومن خداع الايام
وصلت لمطار الخرطوم حيث كانت بإستقبالي فتاه اسمها مروه أرشدتني لمكان الفندق ، سلمنا على بعضنا البعض وتعارفنا فهي تعمل بنفس المكان الذي سأعمل به ، وصلنا للفندق وفي صباح اليوم التالي اتصلت هاتفياً لتعرج إلي للخروج الى مكان العمل ولتعرفني بالمحيط الذي حولي ولنمر على الشقة التي سأسكن بها وهل لي ايه تعليقات لتغير الأثاث وخلافه ، مرت بوقت الظهيرة زرنا مكان العمل وتعرفت بوجه جديدة ربما لطيفة ولست ادري فالمجهول ينتظرني وزرنا الشقة التي راقت لي .
فعلاً داومت بعملي بإنتظام واستقرت اموري وشعرت براحة تامة لقد نسيت الألم ولم اتذكره الإ نادراً ولكن بأحد الأيام كنا بجلسة عمل تحوي العديد من الاشخاص وفاجأني سؤال رئيس مجلس الإدارة حيث قال ايتها الرقيقة ماهو الشيء الفظيع الذي دفعك لترك بلادك وترك كل شيء خلفك والمغامرة بالقدوم الى هنا ماهو السر هذه اول مصادفة بحياتي كلها تصدف بأن فتاه رقيقة تدفن نفسها بعمل ومكان مجهولي المصير ولكن لاتقلقي نحن عائلتك واصدقائك الجدد وسنعتني بك بمشيئة الرعاية الإلهية ولكن ما سرك الصغير ، تعلثمت وصدمت من سؤاله وجاوبت بعد ان انعقد لساني والجميع ينظرون بإتجاهي وشعرت ان العرق يتصبب من جبهتي وقلت نعم هجرت كل شيء بسبب حب رجل اعرفه كذاتي ولست اعرفه كذاتي ....
لحظة صمت سادت المكان وشعرت ان الجميع متعاطف لمأساة لا يعلمها أحد الإ قلبي المتعب المريض .
نعم هربت الى المجهول لأشفي مرض قلبي ولاهجر كل المهازل التي صادفتني











11 سبتمبر, 2007 06:27 م